"بلودوزر" كاتربيلر... آلة قتل
«.. كان شيئاً ضخماً زنته 60 طناً، صمّمته «كاتربيلر» خصيصاً لتدمير المنازل... كان شيئاً أكبر من أي شيء رأيته في حياتي... »
والد الناشطة راشيل كوري
مجرد صبية يعتمرون الكوفية الفلسطينية ، و يلبسون الجينز البسيط والجاكت الخفيف وحقيبة الظهر، يلوحون بقبضاتهم غضباً و احتجاجاً . صبية، يأتون من الطرف الآخر، و يتشكلون في جماعات وحركات سلمية وتضامن عالمية ، يتركون كل شيء ورائهم ، يدافعون عن قضية يرونها إنسانية إزاء فعل القتل والتدمير والتجويع اللا منتهي ،.. صبية يوحون لنا أن ثمة ضميراً صغيراً من الغرب الآخر.. ضمير مغاير عن ضمير بلادهم المتصالح مع أرباب شركات النفط و السلاح والمال..
صِبية أتذكرهم جيداً، كانوا يحملون ضميراً يقظاً، ضميراً مقاتلاً متجهاً لفلسطين، حيث النعوش المتضاعفة والبيوت المدمرة، والجوع القاعد يومياً للأطفال والنساء والشيوخ، وعبرة الموت الخانقة الساكنة معهم، حيث الحياة محض احتضار..
لكن هؤلاء الصبية كانوا مختلفين ، وقفوا يوماً في وجه "بلودوزر" إسرائيلي ، ولا يفصلهم عن الموت إلاً شبر، صرخوا " توقفوا" مرة ومرتين ، وصاحوا مرة أخيرة لعل العالم يوما ً يسمع دوي صرختهم ويوقف آلة التدمير و القتل، لكن لا أحد ، لا أحد.. حينها كان هناك ثمة ضمير، ضمير يقظ أراد أن يحمي بيتاً فلسطينيا واحداُ إلى النهاية ومهما كان الثمن.. ضمير وقف لوحده، و لا أعرف لما وقف لوحده في وجه آلة القتل الكبيرة تلك..؟ انفض الزملاء من جماعة "حركة التضامن العالمية" حينما أصبحت المقدمة الحديدية للبولدوزر قريبة جدا.. وقف لوحده و لا أعرف ما ذا كان يسكن في مخيلته حينذاك ، هل من خلال المشاركة في الحياة الفلسطينية اكتشف البؤس، والهجران، والجوع، والعطش لإنسانية بلا أمل، إنسانية مهملة ومنسية في مساكن متداعية، مهددة بالرصاص، والمداهمة، و التفجير، حيث الموت الوشيك هو الشيء اليقيني الوحيد للأطفال والشيوخ...؟
أم أن أشد ما كان يحزنه هو عدم المبالاة، انعدام إحساس ملايين الكائنات البشرية التي لا تفعل شيئاً، وهو يرى العالم بأسره لا يريد أن يعرف شيئاً عن المصير المشين الذي يتعرض له هذا الشعب، حيث هي منغمسة الآن..؟ كيف لا وهذا الضمير يرى الأطفال يموتون في التوغلات الإسرائيلية، وأن آبار الماء المطمورة التي تُبقي حياً بكامله ضحية العطش، منع الخروج إلى العمل الذي يُغرق آلاف الأشخاص في موت بطيء، الرعب الليلي لصفارات الدبابات، الطائرات وهي تحوم عاى ارتفاع منخفض ..
هذا الضمير كان يشهد يوميات التطهير العرقي المزمن وخائف جداً، ويراجع معتقداته الأساسية عن الطبيعة الإنسانية الخيّرة. ضمير عنيد ويصر على أن يتوقف هذا القتل. ضمير يكتب يومياته ويرى أنها فكرة جيدة أن يترك كل شيء ويكرّس حياته لجعل هذا يتوقف، و يشعر بالرعب وعدم التصديق.. ضمير يشعر بخيبة الأمل من أن يكون هذا القتل والتطهير العرقي أساس حقيقة عالمنا وأن يشارك فيه هو بالفعل. . لهذا ظل هذا الضمير يؤمن أن ليس هذا ما أتى من أجله الى هذا العالم..
لكنني أخيرا، عرفت أن موت ذاك الضمير مختلف، قتله مختلف، هو ضمير العالم الإنساني المختلف. و أعرف أيضاً أن ثمة ضمير في الجانب الآخر، صغير، وشاب، ليس يقظا فحسب، بل ضمير مقاتل وعنيد ، مشتعل بالغضب ، يموت من أجل الشعوب الأخرى في سروال بسيط وجاكت فاتح اللون. ضمير اسمه : "راشيل كوري "، التي صار جسدها مثل البيت الفلسطيني شيئاً واحداّ بفعل جرافة الـ"كاتربيلر"*
____________________________________
جرافة «كاتربيلر»، وهو الطراز الذي يستخدمه الإسرائيليون آلاف المرات لهدم منازل الفلسطينيين، وسط لا مبالاة عالمية حسب ما ذكرته جريدة السفير. وهو نفسه «البلدوزر» الذي «سحق» الناشطة " راشيل كوري" بصورة متعمدة، عندما كانت تحاول منع الاحتلال الإسرائيلي من تدمير منزل فلسطيني في رفح في آذار 2003، ولهدم مخيم جنين عام 2002 على رؤوس قاطنيه، كما و إنها استخدمت لبناء «جدار المكسيك»، ولبناء الحواجز الإسرائيلية في فلسطين حسب جريدة السفير اللبنانية. هذا، و تدرج جرافات «كاتربيلر»، الأميركية الصنع، غالباً في قائمة المساعدات العسكرية الأميركية الممنوحة للكيان الغاصب.
و ذكرت الصحيفة ، إن هذه الجرافات كانت محور العديد من التظاهرات التي خرجت في سائر أنحاء العالم، وحتى في بلدها الأم، الولايات المتحدة وتحديداً ولاية ايلينوي، خصوصاً بعد مقتل كوري، حيث دعا المحتجون شركة «كاتربيلر» إلى «وقف شحن جرافاتها إلى إسرائيل، لأنها تحوّلت إلى سلاح يُستخدم في هدم بيوت الفلسطينيين». وبهذا المعنى فإن الشركة «متواطئة في انتهاكات لحقوق الإنسان»، حسبما ذكرت منظمة «هيومن رايتس واتش» عام 2004 ، ناقلةً عن تقرير للأمم المتحدة أن «إسرائيل هدمت منذ عام ,2001 نحو 12 ألف منزل في غزة فقط».
ودافعت «كاتربيلر» عن نفسها بأن «مبيعاتها إلى إسرائيل تتم بموجب القانون الأميركي، عبر برنامج المبيعات العسكرية الخارجية الأميركية». وكان ذلك هو الدفاع الذي تهرّبت الشركة بموجبه، عام 2005 من دعوى تقدّمت بها عائلة كوري، ضدها في واشنطن.
ثم استأنفت عائلة كوري دعواها مستندةً إلى قانون أميركي «يسمح بمقاضاة منتج آلة في حال استخدامها في قتل إنسان»، ولكن محكمة سان فرانسيسكو رفضت الدعوى. إلى أن أتى فلسطينياً من الجليل المحتل و نفذ عملية في القدس المحتلة مستخدماً جرافة «كاتربيلر» نفسها ، ولم يعي المحتلون ومن يدعمونهم أن«كاتربيلر» آلة قتل..!








