معذرةًً أيها الشيخ.. هذه الجزيرة لا تزال تشتاق لقرص الحرية..
رأيتك مراتٍ ومرات.. هنا .. وهناك.. والجموع كفراشاتٍ تحوم حول ضوءٍ ما.. و لقيتك مراتٍ ومرات.. لكن لقياك الأخيرة كانت قبل أن تُسجى بالبياض بأيام، حينها كانت قطرات المطر تتساقط حباتٍ .. حبات ، تشتد حيناً وتهدأ حيناً آخر.. وأنت لوحدك كنت تقهر المرض.. تكسره.. حينها كانت الدمعة تخنقها أسئلة القلق على المستقبل .. عن القطاف الذي لم يكتمل بعد ..!
هواء بارد هب تلك الليّلة على المدينة، هب مفاجئا هذه المرة، البحر هائج والأمواج متورمة والسفن لا تبلغ الميناء.. هواء الشمال وهواء البحر يلسعٌ العابر من شارع لشارع، والساحة ملعب رياح.. و الجزيرة الصغيرة تستعد لسردٍ شيء ما.. "الشيخ" أنفاسهُ متعبة وروحهٌ تشتاق للرحيل، السماء تريدٌ أن تحتفي به، المطر يبكى عن سنوات..فما الذي يبكيك أيها المطر؟!!
لتبدأ و تنتهي الذكرى بقٌرى الشيخ، فأنت مدعو ا للولوج إليها لتقرأ عن سنوات تاريخ كٌتبت بحروف الوجع والقهر والجراحات الكبرى ، قِبالها أقرأ أيضاً حروف الصمود والحرية والكرامة المتشحة بلون الانتصار..
عٌد بالذكرى لقرية "النسيج " أولاً، واسمعها تروي عن النسيج الديني و الاحتضان الأول، سنوات الصغر المثقلة بالتعب والكد، والترحال لأجل العلم، واسمعها أيضاً تبوح لك بالحب الجميل..
ومن ثم دعها تروي لك أيضاً عن ثمانينيات "الشرار الأول" وبدأ فصول التعسف والاعتقال ، المصابرة والمكابدة.. "الشيخ" لوحده سيبدأ أولاً بقيادة المسيرة، بعدها يبدأ مع "الرفاق الآخرون" ب"عريضة" مكتوبة بحروف بيضاء، الحقوق سترمى ليتذكرها التاريخ؛ لكن للعريضة "الشعبية" الأخرى- تاريخ سينتصر بها للإنسان البحريني أولاً، وللمسيرة الجماهيرية بعدها ثانياً، والتي بها -سيٌكتب شيئاً آخر معتق بلون الدم ، وبعذابات ومرارات السجون والمنافي ، وترسم شيئاً آخر خالداً ، ألا وهو :"العنفوان" الذي تحيا به النفوس وتأبى الذل لباسا، والذي تثبت به قيمة الإنسان..
هنا ثانيةً، عند قرى الشيخ ، دع لذاكرتك للأن تكون حيّة لا تموت ، لا تنسى بل تتجدد، لتشاهد عند بوابة بؤسها –هزيمة الدولة- لا.. ليس لإهمالها فقط ، بل دع مخيال الذاكرة يمتد عمراً ليسترجع من الطفولة والمراهقة مشهد المدرعات الآلية ، والغارات الليليّة ، والمطاردات وأزيز الرصاص وتفنن الجلادين وضيق السجون وآهات المسجونين وأنين الثكلى موصولة بعذابات الشهداء .. لتتدثر بعد ذلك عند دفء الشيخ ووقع كلماته تستمد القوة منه لضعفك، تكبر فيه ويكبر بك..
مع الشيخ ثانيةً القرويون يرسمون صورة ،سمها أنت ما شئت: مباهلة\مبايعة، وليسمها غيرك ما يشاؤون : مغامرة \انتحار ، لكن تذكر: في تسميتك لتلك- المباهلة أو المبايعة- " هو " لم يسع إليها بل " هي "سعت إليه، وما ذهب إليه غيرك في التسمية، هي "المأساة"، نعم مأساة أن يقرؤوا ثورة الروح انتحاراً، وبذل النفس للأجل قيمة في الحياة انتحارا ، والمطالبة بالحرية انتحارا.. هم لم يتعلموا بعد كيف يكتبون ولا كيف يقرؤون كلمة المجد والكرامة والتي هي في حقيقة الإنسان .. !! وهل يبنى مجتمع بغير تلك المغامرة..!!
أقرأ التاريخ سطراً ..سطرا.. ذاك الشيخ كل خطاباته كانت هديراً هادئ ومتزناً حد " التعقل "حتى في أقسى الظروف وأكثرها غدراً. كيف لا وهو من كانت عذابات الشباب في الزنازين وآهاتهم ، فقد الآباء والأمهات للأبناء تسكن عينيه وتدمي قلبه.. ألم يكن هو من يسجي الشهداء في التراب رغم بطش الرصاص و إرهاب القنابل المسيلة للدموع..؟!
ألم يكن هو من "آمن بالآخر" وسار معه للأجل المطالبة الحقوق المدنية ؟ بما ذا قاضاهٌ الوطن ؟ أليس مزيداً من التنكيل والتعذيب والمطاردات..؟ فهل من السهل الإتيان بمن يشبه الشيخ في سجاياه وطريقة قيادته وتحمله وصبره..؟! ألم يكن يحمل مع الآخر مشروعاً يعتدٌ به الإنسان البحريني؟ مشروع أراد أن يعلمه ٌ- كيف يحيا في " مجتمع الإنسان ".. إنسان..؟!!
هل يمكن للتاريخ أن يتوقف عن التدوين، ونتوقف نحن عن القراءة ؟ لا.. سل "السبت الأسود" والحصار فهما حاضران بقوة الذاكرة التي لا تنسى، الجموع الذاهلة في قرية " النسيج" والرصاص الممطر في ذاك اليوم ، دماء الشهداء المتناثرة ، الجراحات الحافرة في الجسد للأبد.. وهل ينسى التاريخ الحصار الذي أطبق على الشيخ وعائلته لمدة الخمسة عشر يوماً كحصار " شِعب أبي طالب"..أبو جهل وأصحابه ومن لف لفهم من رِعاع مكة.. أليس هم من سيمنعون الناس للوصول إليه.. وهل ينسى التاريخ المر..؟!
بدأ الاعتقال الأول، لكن هل يمكن أن يثني الشيخ و رفاقه ؟ لا.. الجموع التي تدثرت عند عباءته وآمنت بصدقه وشفافية عينيّه الصافية ستكون وفية ً له كوفائه لها حتى في أقصى الظروف ومراراتها .. في" عقدٍ بلا حبر" حيث ستراها تقف معه في حشدٍ تباهى الرقم به في يومٍ غاصت به قرية النسيج ولم تتسع له جنابتها في" اعتصام أبيض" بعد "غدر "الحكومة وتنصلها من مبادرة كانت "إنقاذية" لها .. !
أسطر التاريخ لم تهدأ ، فالاعتقال الأول والغدر سيتبعهٌ اعتقال ثانٍ، وتشتد الأزمة ، فالشيخ وأبناءه في السجن معاُ هذه المرة ، مِراراً ومِرارا يسمعٌ أنينهم وآهاتهم، كم كانت تعذبه .. تكسر روحه.. لكن، لا تهزم عزمه.. سل زوايا السجن تسمع تأوهاته.. الجدران تحتضن دموعه.. حروف الألم تستصرخ "اتركوا أبنائي بسلام".. الجسد أنهكه السجن ومراراته.."لا أخلاقية للدولة".. حين تلاحق الصغار و ترهبهم بأدواتها .. تزجهم في السجن وتعذبهم.. بالقوة تتفنن في أجساد شبابها .. يتساقطون.. الشيخ يكون نسيماَ يلطف من جراحاتهم.. يغسل بعينيه الصافية الحانية أجسادهم.. يُسجيهم.. والألم يحرق قلبه.. مع كل ذلك - يقهرون القوة وينتصرون .. وينتصرون ..
لا أعرف ما سر تعلّق الأبيض به ؟ ليس السؤال تقديساً لشخصه، إنما حالات الوطن تتذكر " الباكر " و تتذكر " الشيخ"، تتذكر حالات الرموز التي تتجاوز الآخر، الآخر الذي يحتضن الآخر ، ولكن لما الناس البسطاء تحتفي بهم دوماَ..؟ "للأنة توجه مفتوح، عفوي، جماهيري، ويتحد مع كل المخلصين العاملين لأجل مصلحة الوطن، فيه الإسلامي والوطني، والشيعي والسني، بعيداً عن الطائفية والقبلية، فأنا وأنت أبناء وطن، وأتعامل مع كل التوجهات في قضية وطن، الهموم والآمال والأهداف واحدة، لأنها للوطن.. " لكن كيف كان فعل الوطن معك؟ !
الشيخ على السرير الأبيض.. تنهيدة موجعة تختبئ تحت سطح عينيه .. لم ينتبه لها المحبون الذين يحتفون به .. صمت الذات الموجع .. عن الغدر ..عن الاعتذار .. وعن أشياء وأشياء خبائها الشيخ بشجن.. لا يحتمله البوح .. يا شيخ لو تعلم أنك الوطن الذي لا يُساميه شيء .. أيٌّ شيء..
غادرنا الشيخ بعد أن ظل مدةً على السرير الأبيض، و يعلم أن القوة مازالت تتحكم بلون البر والبحر، والسفن على مقربة من الميناء تترقب من يأتي مثله، الذين أمنوا به مازال الوفاء يطوق قلوبهم لأنهم يعرفون أنه البياض الذي لا لون مثله..
قرى الشيخ الحاملة" شقائق النعمان" في وجعك، و من أول قرية لآخر مدينة تشتاق لنبضه - بجلوة الحروف غداً.. و ما بعدَ.. بعدَ الغد.. سطري شيئاً : نحن ما ضيعنا الشيخ حتى نفتش عنه، لكن سنظل نفتش عن الازاميل التي بناها فينا .. عن الوطن الذي أراد أن يُصيغه لنا.. عن الإنسان الذي أراد أن يصنعه للوطن..
سنكون غداً هناك، بلواعج الحنين و بدعجٍ ملفوفٍ بالأبيض و الأحمر .. نلقي تحية الوفاء للشيخ الضاج بالبياض* أنظر لخطابات الشيخ ، http://www.aljamri.org/ بتصرفٍ بسيط..








