"اختلت الموازين..
اختفى الحق..
البعض يحاول حتى خداع الآلهة.
يذبحون (الأوز) كقرابين
ويقدمونها للآلهة زاعمين أنها ثيران"
عن إحدى البرديات الفرعونية
كانت صباحيات أكتوبر في هذه الجزيرة "فجائية مرتين جداً" كما رئاها البعض، فجائية في المرة الأولى عندما أكد ولي العهد أن المحاسبة ستطاول جميع المتورطين في قضايا الفساد، حتى ولو كانوا وزراء (1)على أثر استجواب موظفين اثنين في" ألبا" وبعدهم في" أسري" وبعدها أيضاً أعلن عن إحالة ثمانية موظفين في شركة "طيران الخليج" للاستجواب. وفجائية ثانياً عند صدور تقرير الرقابة المالية للسنة المنتهية 2006وكشفه الكثير من مواطن الفساد في وزارات الدولة بدون ذكر ذلك.
حقيقة، لا أراها فجائية بل " مُرّة مرتين "، لأنهُ تم التعامل مع قضية الفساد الأولى من منظور الدفاع عن " حلال الحكومة " وإنها جاءت " مقننة "، فولي العهد لا يلوح بعصا السلطة لكونه على هرمها بل كرئيس لمجلس ادارة الشركة التي تدير فعلياً استثمارات الدولة في الشركات الكبرى ، وبالتالي فإن حملة ملاحقة الفساد تلك لا تتم بوسائل تقليدية عن طريق مؤسسات الدولة الرقابية، بل عن طريق شركة متخصصة مهمتها الرقابة على اعمال شركات الدولة. وإن الحملة لكشف الفساد أسفرت عن نتائج سريعة وإن " المفسدين الصغار" هم المستهدفين في حين يفلت "المفسدين الكبار".
والثانية، تم التعامل مع الفساد وإهدار المال العام في التقرير المالي على أنهٌ " خطأ إداري " وتعمد عدم ذكر المفسدين ومراكزهم، أو كلمة الفساد بتاتاً في تقريره كما رآه المختصين الاقتصاديين، وهذا كله أكثر مرارة ، للأنة كمن قدم "الأوز" كقرابين ..!!
تقرير الفساد: سامية حسن
في ظل تنامي الدعوة إلى التحرير الاقتصادي والانفتاح والإصلاح الديمقراطي وانتشار الفساد إلى درجات غير مسبوقة، وتزايد الوعي بضرورة مكافحته، والتركيز على إظهار تكاليفه الباهظة، ودوره في إعاقة النمو الاقتصادي وتخريب التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، يبقى السؤال الصعب : مكافحة الفساد مسؤولية من؟ هل هو من صلاحيات المجالس التشريعية فقط من دون جهات أخرى، كمؤسسات المجتمع المدني وقوى الضغط..؟ أم أن الفساد لا يمكن القضاء عليه من دون تخطيط وإرادة قوية ورؤية واضحة المعالم, وأن يكون بالكُلّ لا الجزء.و أن مؤسسات المجتمع المدني والإعلام يمكنهما أن يكونا شركاء استراتيجيين في عملية الإصلاح وكشف الفساد، للأن لوسائل الإعلام القدرة على كشف جيوب الفساد فضح الممارسات الفاسدة عن طريق التحقيقات الإعلامية.
لذلك سيكون التركيز تقرير الفساد ما هية الفساد، الأبعاد السياسية والاقتصادية للفساد، وأخيراً قراءة في تقرير المالية للسنة المالية 2007 وكشف مواطن الفساد.
التعريف بالفساد:
تعرف منظمة الشفافية الفساد بأنه "استغلال السلطة من أجل المنفعة الخاصة"، ووضع البنك الدولي تعريفاً للأنشطة التي يمكن أن تندرج تحت تعريف الفساد وذلك عندما قال بأن الفساد هو "إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص. فالفساد يحدث عادة عندما يقوم موظف بقبول أو طلب أو ابتزاز رشوة لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمنافسة عامة، كما يتم عندما يعرض وكلاء أو وسطاء لشركات، أو أعمال خاصة تقديم رشى للاستفادة من سياسات أو إجراءات عامة، للتغلب على منافسين وتحقيق أرباح خارج إطار القوانين المرعية، كما يمكن للفساد أن يحصل عن طريق استغلال الوظيفة العامة دون اللجوء إلى الرشوة، وذلك بتعيين الأقارب أو سرقة أموال الدولة مباشرة".
ويلاحظ أن هذا التعريف، يحدد آليتين رئيسيتين من آليات الفساد:
1 ـ آلية دفع "الرشوة" و"العمولة" إلى الموظفين والمسئولين في الحكومة والقطاعين العام والخاص، لتسهيل عقد الصفقات وتسهيل الأمور لرجال الأعمال والشركات الأجنبية.
2 ـ الرشوة المقنعة أو "العينية" في شكل وضع اليد على "المال العام" والحصول على مواقع متقدمة للأبناء والأصهار والأقارب في الجهاز الوظيفي، وفي قطاع الأعمال (العام والخاص).
ويمكن تسمية هذا النوع من الفساد بـ "الفساد الصغير" الذي يجب ألا يخفى عن أعيننا ما يمكن دعوته بـ "الفساد الكبير" المرتبط بالصفقات الكبرى في المقاولات و العطاءات، كما حدث في" بابكو " مؤخراً والحصول على التوكيلات التجارية للشركات الدولية الكبرى.
ومن الممكن القول (2) "أن الفساد ظاهرة اقتصادية واجتماعية وسياسية، توجد في جميع دول العالم، وإن اختلف مدى خطورتها من دولة لأخرى، وتتلخص في قيام البيروقراطيين أو السياسيين في استغلال مراكزهم من أجل المصلحة الخاصة، والفساد قد يكون كبيراً عندما يرتبط بالمشروعات الوطنية، كمشروعات البنية التحتية. و يبرز هنا البعد الاقتصادي والسياسي للفساد، عندما يستخدم "المال السياسي الفاسد " من أجل إجراء تغيير في بنية الدولة، وفي قلب المعادلات السياسية للأجل أهواء طائفية أو عرقية، وفي تغيير تلك المعادلات لصالح من أصبحت بيده مفاتيح التخريب والإقصاء.
النتائج السياسية والاقتصادية للفساد:
للفساد نتائج سياسية واقتصادية في غاية الخطورة، فهو إذ يؤدي إلى انخفاض مستوى الأداء الحكومي، فإنه يخلق أجواء تسودها عدم العدالة ويشيع فيها الظلم، وهو يؤدي بذات الوقت إلى تقويض الشرعية السياسية للدولة. وهو يعبر بذلك عن وجود مشكلات عميقة في معاملات الأفراد مع الدولة، وغالباً ما يترافق الفساد مع تشوهات يخلقها المسئولون من أجل توليد ربوع الفساد. وتتناول هذه التشوهات عمليات النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية ويتبدى ذلك في العقود الحكومية، سواء كانت من خلال توريدات مواد وسلع وبضائع وخدمات، أو من خلال توزيعها وإيصالها إلى مستحقيها مثل ما حصل في "المستشفى العسكري حيث لا يحدث قائمة عقود الإيجارات مع الجهات المستأجرة أولاً بأول وكما لا يتم تجديد العقود المنتهية وافتتاح محلات جديدة خلال عام 2006م من دون توقيع عقود" (4). كما تشتمل المشروعات كمشروع" حلبة البحرين" حيث خالفت قانون المناقصات وترسي عقوداً من دون صفقات..! (5)، وكذلك في مجال خصخصتها. وكذلك في عمليات النهب الواضحة للمال العام عن طريق إجراءات الخصخصة كما حصل في خصخصة محطة الحد للكهرباء والماء حيث لم توضح أوجه استخدام العائد من المحطة والذي يبلغ 738.2 مليون دولار(6).
- النتائج السياسية للفساد:
يرتبط أمر الوقوف على النتائج السياسية للفساد، بالبحث في دوافعه وأسبابه السياسية للحكومة. فهذه الأسباب والدوافع يمكن أن تندرج تحت العناوين الثلاثة البارزة التالية:
ـ مدى الغموض أو الشفافية في معاملاتها الاقتصادية.
ـ مدى إتباع الإجراءات والنظم الموضوعية في التعيينات والوظائف.
ـ مدى قصور أو فعالية الرقابة على أنشطة الدولة.
النتائج الاقتصادية للفساد:
الفساد لا يعيق الاستثمار فحسب، وإنما يعيق التنمية أيضاً، ويرفع من كلفتها. وأصبح من نافل القول، أن المستثمر (النظيف) العربي أو الأجنبي، عندما يريد التوجه نحو بلد ما للاستثمار فإنه يسأل أولاً عن الفساد والروتين والبيروقراطية. كما يلجأ على منظمات الشفافية العالمية ذات المصداقية ليعتمد على دراساتها، قبل اتخاذ قراره.
وفي الحقيقة فإن الفساد يفرض على رجال الأعمال والمستثمرين (ضريبة) إضافية سيئة، لأنها ضريبة عشوائية، تحكمية، وذات كلفة عالية جداً على التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فهناك كلفة البحث عن هؤلاء الذين ستتم رشوتهم، كما أن هناك كلفة المفاوضات إضافة إلى الالتزامات التفاوضية الناجمة عن الرشوة. ويضاف على كل ذلك تكلفة الوقت.
ويمكننا إضافة العناصر السلبية التالية على النتائج الاقتصادية للفساد:
1 ـ يقلل الفساد من الإيرادات العامة ويزيد من النفقات العامة: ونلاحظ ذلك خاصة في حالة زيادة نسبة الهدر و ضياع المشروعات العامة.
2 ـ يشوه الفساد تركيب النفقات العامة: فالمسئول الحكومي الفاسد يتجه إلى إقامة المشروعات الكبيرة، والتجديد الدائم لأنظمة الدفاع. مثال ذلك" أن وزارة الدفاع حصلت على نصيب الأسد قيما يخص المصروفات المتكررة إذ بلغت 190 مليون دينار، ولو جمعنا المصروفات على المسائل الأمنية والعسكرية مجتمعة (وزارات الدفاع والداخلية والحرس زائداً الأمن الوطني) لبلغت 336 مليون دينار ، وهذا مبلغ كبير إذ يمثل 31% من مجموع المصروفات المتكررة. (3) "
والمعروف أن هذه المشروعات تحمل خزينة الدولة قسماً هاماً من إيراداتها. و معنى هذا حجب نسبة عالية من الإنفاق العام عن مجالات مطلوبة وتهم المجتمع بكامله، كالصحة والتعليم وتنمية الموارد البشرية.
3 ـ يزيد الفساد من الفقر وعدم العدالة في توزيع الدخل: فالفساد إذا ما شاع في المجتمع فإنه سيؤدي إلى تقليل فرص الفقراء وأصحاب الدخل المحدود في الحصول على نصيبهم الموضوعي من الوظائف ومن فرص الترفيع والتقدم الوظيفي.
تقريرالرقابةالمالية للعام 2006م والفساد :
"حصلت مملكة البحرين على درجة 71.7%، في قدرتها على مكافحة الفساد والرشاوى في العام الماضي، محتلة المرتبة الرابعة خليجيا بعد الإمارات وقطر وسلطنة عُمان." هذا ما أوردهٌ البنك الدولي في تقرير حديث عن موضوع " مكافحة الفساد والرشاوى" (7).
و وضع تقرير البنك الدولي عدة معايير للتقييم الذي قارن بين سنوات2006 و, 2002 و1998 كمستوى الشفافية عند الحكومات، والاستقرار السياسي، وفعالية أداء الحكومات، وتقييم التشريعات والقوانين ومدى سيطرتها، والضبط والتحكم في عمليات الفساد والرشاوى، في حين وضع معدل للعلامات يبدأ من صفر وينهي بـ.100 وأظهر التقرير تراجع مقدرة البحرين، بشكل عام في العام 2006 عما كان عليه في العامين 2002 و,1998 حيث حقق مستوى الشفافية في 2006 نحو 28 درجة متراجعاً 5 درجات، عما حققه في تقرير العام 2002 والبالغ 33 درجة، وهذا هو التقييم الدولي عن الفساد والرشاوى، ولكن ماذا عن تقرير الرقابة المالية للعام 2006م؟
هذا، وقد أثار تقرير ديوان الرقابة المالية للعام 2007م الصادر الشهر الماضي الكثير من ردود الفعل خصوصاً من قبل المختصين في نصفه وإن اتفقوا في نصفه الآخر، وإني لأراها "جعجعة بلا طحين "، فكما مرّ تقرير العام 2005" الجريء" سيمر تقرير العام 2006 " المهني "، وذلك أن ديوان الرقابة المالية المنبثق بمرسوم بقانون رقم (16) لسنة 2002 ، وجاء القانون في 48 مادة. وجاء في مادته الأولى ''ينشأ جهازمستقل يتمتع بالشخصية الاعتبارية العامة يسمى ''ديوان الرقابة المالية''، ويتبعالملك. يتولى الديوان مهمة الرقابة المالية على أموال الدولة وأموال الجهات المنصوصعليها في المادة (4) من هذا القانون، ويتحقق بوجه خاص من سلامة ومشروعية استخدامهذه الأموال وحسن إدارتها، وذلك على الوجه المنصوص عليه في هذا القانون''.
نص المادة الأولى واضح كما هو واضح، مستقل ويتبع الملك..! نص المادة الرابعة وبقية مواد القانون وتتلخص في عنوان كبير: الحفاظ على المال العام من عبث العابثين.
وفي تقارير الديوان المنشورة، شيء مهم جاء فيها ''يعتبر دور الديوان في الرقابة على الأموال العامة وحسن إدارتها اكبر وأوسع من مجرد الكشف عن المخالفات وضبط المخالفين وتقديمهم للعدالة''.
حسناً كلام جميل جداً، لابد المحافظة على المال العام، ولابد منتقديم من يهدر المال العام للعدالة، وهذا جزء أساسي وركن رئيس من أركان الرقابة، لكن أين التنفيذ؟! أين أسماء المفسدين ؟ فالتقرير الأخير، رغم ما ذكر سوف يطيح برؤوس المفسدين ، لكن التقرير لم يذكر الأسماء و خلى من كلمة فساد ومفسدين ، فمن سيقدم للعدالة؟!
بل كانت هناك" أخطاء إدارية" تستوجب توصيات لدراستها وتفاديها، هذا كل ما رآه الديوان..!
وفي أسئلتنا الموجه لعضو اللجنة المالية والاقتصادية بمجلس النواب النائب د.جاسم حسين عن كتلة الوفاق : تجاوزات في الدفاع.. ترسية عقود في حلبة البحرين من دون مناقصات.. عدم وجود مدققين داخليين في البلديات..الخصخصة لكهرباء الحد..صفقات في بابكو بمليون دينار دون علم المناقصات.. بما ذا ييعلل ذلك؟ رأى أن العديد من الجهات الرسمية والمؤسسات التابعة للدولة لا تهتم عمليا بمجلس المناقصات. ربما لأن مجلس المناقصات ليس لديه أسنان..!
وما الذي لم يكشف التقرير بعد؟
"لم يشر التقرير بأي حال من الأحوال عن سير الأمور المالية في كل من الديوان الملكي وديوان ولي العهد وديوان رئيس الوزراء. بل لم يزعم التقرير عن عدم وجود تجاوزات في هذه الجهات. و كما هو معروف فقد أكد صاحب الجلالة في أكثر من مناسبة بأن لا أحد فوق القانون."
وإنه بعد كل التجاوزات التي حدثت هل يمكن اعتبارها \ فساد\ اختلاسات\ أم إهدار للمال العام؟ أجاب" أخطاء إدارية من جهة و هدر للمال العام من جهة أخرى. بيد أنه لا يمكن الجزم فيما يخص وجود فساد أو اختلاسات وعليه لابد من توظيف الأدوات البرلمانية للوصول إلى الحقائق."
وماذا لو فشلت المسائلة؟ قال : علينا العمل للتوظيف الأمثل للأدوات البرلمانية المتاحة لغرض التحقيق الهدف الأسمى والمتمثل في الحفاظ عل المال العام وضمان توظيف الأموال لحل مشكلات البلاد والعباد.
والخلاصة، أن الديوان قام بجهد كبير ولم يتممه، ولا يمكن نكران هذا الجهد، لكن ثمة فساد يزكم الأنوف وأن الديوان لم يفصح عن مواطن الفساد الرئيسة وهذا سيساهم في إشاعة " ثقافة الفساد" ويعطيه الشرعية. و إن نجاح مكافحة الفساد يتوقف على الإدارة السياسية، لجعل عملية المسائلة والرقابة أوسع من الديوان فقط، إذا كانت جادة فعلاً في القضاء عليه.
المصادر:
1-http://www.arabianbusiness.com/501827-bahrain-in-corruption-crackdown#continueArticle by Safura Rahimi on Tuesday, 09 October 2007.
(2) ـ د. المرسي السيد حجازي: التكاليف الاجتماعية للفساد ـ المستقبل العربي, العد (266) 4/2001.
(3)- جاسم حسين : الحساب الختامي للعام 2006 : المصروفات، ملحق مال وأعمال، جريدة الوسط، العدد1887 ، الثلاثاء 6نوفمبر 2007 الموافق 26 شوال 1428 هجرية.
(4)- ملحق تقرير الرقابة المالية للعام 2006،جريدة الوسط ، الصفحة الأولى، العدد1876 ، الجمعة 26أكتوبر 2007 الموافق 26 شوال 1428 هجرية.
(5)- المصدر السابق نفسه، صفحة رقم 1.
(6)- المصدر السابق نفسه، صفحة رقم 6.
(7)- http://www0.womengateway.com/NR/exeres/1CC13901-3806-4293-8F58-C0A057F98CED.htm








