ازاميل
خذ أزاميلك ولا تذر .. فقد تناثرت الأشياء .. ولم يبقى شيء .. أي شيء..
معذرة أبتي .. معذرة وطني ..!

معذرةًَ أبي ..

 

نردد ملء الآذان والأذهان، إلى أن ملت من الترديد الترديدات كلها، ولم نمل كنا نسميه دوما في ابتداءاتنا، وفي الإصباح، وفي كل إمساء حب الأوطان. كالسذج البلهاء كنا في الكشفية حينها صغارا نمتشق حسام العمر من أوله إلى آخره.

 نبني لأنفسنا الأوهام الكبرى لبلد يتسع للجميع، فيه الملاذ متوفر لكل من رنت في مسمعه زغرودة البحرين يوم الميلاد. وطن بحجم الرحابة، المتسع فيه مفتوح على كل الاحتمالات وإلى كل الأزمان، وإلى غاية كل الانتهاءات.

أعترف أن أول شيء جاء إلى ذهني وأنا أسمع مايجري من "تدبير للأمور غريب" في غرفة المحترمين الثانيين من السادة الذين ينوبون عنا في غفلة من كل الأزمان كان هو هذا النشيد. تذكرت روادا رحلوا الآن كانوا يحفظونه لنا عن ظهر قلب، وكنت ترى في الأعين منهم الاقتناع الكامل بمايغنونه.

كان الأمر أبعد من نشيد، كان شيئا كالقسم يقولونه لأنفسهم، ويقولونه للوافدين بعدهم، ويقولونه لمن شاء أن يحافظ عليه إلى الآخر الأخير من الزمان، دون أن يدروا، ودون أن ترف لهم في ذهن طائف الخيال لفة اعتقاد بسيطة أن الأشياء ستتغير، وأن الوطن لن يعود كالوطن، وأن النشيد سيخضع لكثير تغيير وتحوير لكي يلائم عقلية  " طأفنة  "الجاري بها العمل الآن .

قال لي أبي إن الوطن الذي نريده لأنفسنا جميعا والذي أمرنا بحبه لن يكون مثل الوطن اليوم الذي يخضع فيه للبيع وللشراء وللسمسرة ، كل شيء من البدء حتى المنتهى، ومن أصغر تذكار سياحي إلى أكبر رقعة بلاد يتم تفويتها لوحة إشهارية لمحظوظ إبن محظوظة كل إنجازاته أنه ولد وفي الفم منه من كل ناحية ملاعق الذهب .

 قال لي أبي إن الوطن الذي ينبغي أن أحبه "بأي ثمن" هو وطن لي وللآخرين، وليس وطنا للآخرين فقط، أولئك الذين يهلون علي من شاشات التلفاز كل يوم لكي يقولوا لي نفس الكلام الذي أسمعه منذ أن سقط رأسي في مكان ما، وإلى أن يغادر رأسي نفس المكان، دون أن أعرف أنا لماذا لايتغيرون، أو بالضبط والتدقيق لماذا يتكررون، هم أنفسهم، والسلالة منهم، ثم بقية ماتنبته جيناتهم التي يبدو أنها وحدها قادرة على الولادة وفعل الميلاد .

قال لي أبي إن الوطن الذي ينبغي أن أحبه وأكون رحيما به، عليه أن يكون أرحم بي، أن لايترك لي هنيهة تفكير واحدة في اليأس منه، أن تتساوى فيه الرؤوس، وأن يعود لي كل مرة أحسست فيها بأن الضيق حل مني في كل محل، أن يسعني بذراعيه وأن يسألني "لم أرى العين منك وقد ضاقت بها الأرض بما رحبت؟"، وأن يطمئنني بأن لاازل فيّ المتسع.. متسع لكثير النبض إلى آخر الأيام، النبض الصادق وليس نبض السياسيين الجدد طبعا.

قال لي أبي إنا قد تركنا لكم وطنا فأحبوه. لكنني أسأل أبي الآن وكل الأيام "أين الوطن ياأبتي؟"، ولايأتيني رده حيث هو الآن، لأنني أعرف أنه لم يتخيل في لحظة من اللحظات أن الأمور ستأخذ هذا المنحى وأن عمليات البيع والشراء والمقايضة والعرض والطلب والرق الحديث ستزدهر كل هذا الإزدهار حد أن تحولنا جميعا إلى بضاعة آسيوية رخيصة الثمن تقتنيها وأنت متأكد تمام التأكد أن مدة صلاحيتها منتهية، وأن فترة اشتغالها لديك قصيرة، وأن مآلها الوحيد والأخير هو إلى مقر القمامة وكل الأزبال.

. "قال لي أبي إن حب الوطن". عندما يرن هذا النشيد الطفولي في ذهني، أشعر بالحزن العميق أحس أنهم يسرقون مني يوميا شيئا ثمينا أحاول بكل الإمكانيات أن أحافظ عليه، لكنني غير متأكد من النجاح. أحس على العكس من ذلك أن الآخرين نجحوا فيما كانوا يريدونه. أن يجعلوا صورة الوطن ملتصقة بكل شيء سيء. 

 البلد الذي أمرني والدي بحبه في زمن آخر، كان أكبر من رقعة تراب يرغب كل سكانها في إفراغها لفرط الضيق الذي يحسون به وهم عليها، لكن من أوصلنا إلى كل هذا الإحساس بالضيق؟ أترك لك هذا السؤال أبي لكي تجيب عليه، وأنت تردد نشيدك الطفولي ذاك، أما أنا فعاجزة حقا عن تتمة حفظه إلى آخر الأزمان كالغبية، أو كالجبانة، فعذرا أبتي..!

 

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 08 ديسمبر, 2006 01:16 م , من قبل الشاعر / محمد خضير
من الأردن

لا تعتذري صديقتي
فلست بالغبية ولا بالجبانة
وحدهم الجبناء من يستبيحون الإنسانية
في أجسادنا ووحدهم الأغبياء من يظنون أنهم يملكون حريتنا وأوطاننا ، فهم لا يملكون أكثر من كرسي رخيص لا يتسع لأكثر من طامع مستبد ، ونحن من يملك كامل التراب
وأنا أيضا أعتذر لكن عن كوني إنسان في حديقة الحيوان
دمتِ بخير



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


للأرسال دفافكم يمكنكم مراسلتي على: azameel@gmail.com